علي محمد علي دخيل

54

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ما فَرَضْتُمْ أي فعليكم نصف ما قدرتم وهو المهر المسمى إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يعني الحرائر البالغات غير المولى عليهن لفساد عقولهن ، أي يتركن ما يجب لهن من نصف الصداق فلا يطالبن الأزواج بذلك أَوْ يَعْفُوَا أي يترك ويهب الذي بيده عقدة النكاح هو الولي وهو الأب أو الجد وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى خطاب للزوج والمرأة جميعا وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي لا تتركوا الأخذ بالفضل والإحسان بينكم والإفضال فتأخذوا بمرّ الحكم واستيفاء الحقوق على الكمال . بين اللّه سبحانه في هذه الآية الحكم الذي لا يعذر أحد في تركه ، ثم بيّن طريق الفضل من الجانبين ، وندب إليه ، وحث عليه إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ أي بأعمالكم بَصِيرٌ أي عليم . 238 - لما حث اللّه سبحانه على الطاعة خصّ الصلاة بالمحافظة عليها لأنها أعظم الطاعات فقال : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ أي داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها ، ثم خص الوسطى تفخيما لشأنها فقال وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أي والصلاة الوسطى خاصة فداوموا عليها ، ثم اختلف في الصلاة الوسطى على أقوال ( أحدها ) إنها صلاة الظهر ( وثانيها ) إنها إحدى الصلوات الخمس ، لم يعينها اللّه وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان ، واسمه الأعظم في جميع الأسماء ، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال ابن عباس : معناه : داعين والقنوت : هو الدعاء في الصلاة في حال القيام وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه ( ع ) . 239 - لما قدّم سبحانه وجوب المحافظة على الصلاة عقبه بذكر الرخصة عند المخافة فقال : فَإِنْ خِفْتُمْ أي إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين موفين الصلاة حقها لخوف عرض لكم فَرِجالًا أي فصلّوا رجالا على أرجلكم وقيل : مشاة أَوْ رُكْباناً أي على ظهور دوابكم ، عنى بها صلاة الخوف ، وصلاة الخوف من العدو ركعتان في السفر والحضر إلّا المغرب فإنها ثلاث ركعات فَإِذا أَمِنْتُمْ من الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فصلّوا صلاة الأمن كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ من أمور دينكم وغير ذلك من أموركم . 240 - وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ أي الذين يقاربون منكم الوفاة ، لأن المتوفى لا يؤمر ولا ينهى وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ أي فليوصوا وصية لهن مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ يعني ما ينتفعن به حولا من النفقة والكسوة والسكنى غَيْرَ إِخْراجٍ أي لا يخرجن من بيوت الأزواج فَإِنْ خَرَجْنَ بأنفسهن قبل الحول من غير أن يخرجهن الورثة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا معشر أولياء الميت فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ لا جناح عليكم أن تزوجن بعد انقضاء العدة وَاللَّهُ عَزِيزٌ قادر لا شيء يعجزه حَكِيمٌ لا يصدر منه إلا ما تقتضيه الحكمة . 241 - 242 - لما قدّم سبحانه بيان أحوال المعتدات عقبه ببيان ما يجب لهن من المتعة فقال : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ المراد به النفقة وقوله : بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ مضى تفسيره ، وخصّ المتقين هنا كما خص المحسنين هناك كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي كما بين اللّه لكم الأحكام والآداب التي مضت مما تحتاجون إلى معرفتها في دينكم يبين لكم هذه الأحكام والبيان : هو الأدلة التي يفرق بها بين الحق والباطل لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ معناه : لكي تعقلوا آيات اللّه . 243 - لما ذكر قوله : يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ عقّبه بذكر آية من آياته فقال : أَ لَمْ تَرَ أي ألم تعلم أيها السامع إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ قيل : هم من بني إسرائيل فرّوا من